هل البنوك التونسية “جشعة” للغاية؟

ما أشدّ سروري بصلابة القطاع البنكي في تونس الذي لم يتأثّر بالأزمات التي تعصف بالبلاد عصفا ! إنّه من المدهش أن تتمتّع البنوك التّونسيّة بوضع جيّد في ظلّ بلد يمرّ بحالة من الانهيار العصبي، فبينما كان الاقتصاد التونسي يشهد نموّا عقيما يناهز 2,6% سنة 2018، شهد الناتج البنكي الخام للبنوك التونسية (أو بعبارة أخرى رقم المعاملات) نموّا مطّردا بمعدّل يتكوّن من رقمين منذ سنة 2015، ليتجاوز المليار يورو سنة 2018 بالنسبة إلى البنوك العالميّة الموجودة في تونس التي يبلغ عددها 24 بنكا! لقد أثار هذا الوضع الفريد من نوعه تساؤلا جادّا لدى العديد من خبراء الاقتصاد على الصعيد الدولي المقتنعين قناعة راسخة أن الوضع المالي للبنوك يتأثر تأثّرا مباشرا بوضع السوق، فما هي الوصفة السّحريّة الكامنة وراء استقرار البنوك التونسية يا ترى؟

يكمن السّرّ الأول في تطوير العمولات البنكية وترفيعها سنوياً بمعدل 9%، وهو ما يتعدّى المعدل الرسمي لتضخم الأسعار الاستهلاكيّة التي تبلغ 7,5%، إذ ساهم ارتفاع الرسوم البنكية ارتفاعا غامضا وتصاعدت المعاليم الموظّفة على الشيكات المرفوضة تصاعدا مهولا في تحقيق استقرار أرقام معاملات البنوك!

وفي ظل التّدهور الذي تشهده الحسابات العامة، لا يسع الدّولة سوى الاقتراض من البنوك بشروط ميسّرة (معدل نسبة السوق النقدية +2) يتم التفاوض بشأنها مباشرة مع الجمعية المهنية التونسية للبنوك والمؤسسات المالية.

البنوك التونسية أكثر تكلفة من البنوك المغربية

يتجلّى ثقل الأسعار الذي وظّفته البنوك بشكل واضح في معدّلات الائتمان ونسب الفائدة (المكشوفات…)، ويوضّح الجدول أدناه كيف أنّ هوامش الفوائد الخام في تونس هي ضعف النّسب المطبقة في المغرب (1.55% في المغرب مقابل 3% في تونس)، وبما أن المعدّل الأساسي في تونس (“معدل نسبة السوق النقدية “) يعادل ثلاثة أضعاف المعدّل في المغرب، فإن معدّلات الائتمان المشطّة تؤثر هي الأخرى تأثيرا سلبيا للغاية على سوق العقارات وعلى الشركات، وتتّسم ممارسات جميع البنوك التونسية أساسا بالإجحاف(معدل نسبة السوق النقدية + 4% بالنسبة للقروض، معدل نسبة السوق النقدية + 8% بالنسبة للمكشوفات) بخصوص نسب الفائدة (القروض والمكشوفات …)، وفي المقابل تدفع البنوك نسبة فائدة على الودائع بقيمة 0% أو معدل نسبة السوق النقدية بقيمة -2%.

                                                                          

مقارنة بين نسب الفائدة إلى حدود 15/02/2019

 

النسبة المتغيّرة الموظّفة على القرض العقاري على مدى 15 سنة

المغرب

تونس

معدّل المتوسّط المرجّح + 1,55 إلى 2%

(أي بين 3,8 و4,25 %)

معدل نسبة السوق النقدية + 3 إلى 4%

(أي من 10.24 إلى 11,24 %)

المنافسة الزائفة

رغم تركيز أربع وعشرين مؤسسة بنكية “عالمية” في السوق التونسية (مقابل ثمانية بنوك فقط في المغرب)، من الغريب أنّ درجة التنافس بين البلدين محدودة للغاية خاصّة وأنّ عروض منح القروض متشابهة إلى حد كبير!

ولكن هل ستتمكّن البنوك، في ظلّ الوضع الحرج الذي يمرّ به الاقتصاد والحرفاء على حدّ سواء، من الصمود ومواصلة انتهاج سياسة النّهم؟ ومن المفارقات أن ارتفاع عدد البنوك في السوق هو السبب وراء ارتفاع الأسعار. فكلّ مؤسسة بنكية تسعى إلى مقابلة حصتها المحدودة من السوق بحصد هوامش ربحية مرتفعة. ومن ثمّ، فإن الحل يتمثل في تعديل قائمة البنوك والخفض من عددها (عبر دمجها مثلا …) من أجل بنوك أقلّ عددا وأكثر فعالية وللحدّ من استنزاف الحرفاء!

 

كريم بحري

إشترك في صفحتنا على الفيسبوك

Commentaires